محمد بن جرير الطبري
324
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
البينات والحجج ، إذ بعثناه إليكم ، وقويناه بروح القدس ، وأنتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه نفوسكم استكبرتم عليهم - تجبرا وبغيا - استكبار إمامكم إبليس ، فكذبتم بعضا منهم . وقتلتم بعضا . فهذا فعلكم أبدا برسلي . * * * وقوله : ( أفكلما ) ، وإن كان خرج مخرج التقرير في الخطاب ، فهو بمعنى الخبر . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ } قال أبو جعفر : اختلفت الْقَرَأَة في قراءة ذلك . فقرأه بعضهم : ( وقالوا قلوبنا غُلْف ) مخففة اللام ساكنة . وهي قراءة عامة الأمصار في جميع الأقطار . وقرأه بعضهم : " وقالوا قلوبنا غُلُف " مثقلة اللام مضمومة . * * * فأما الذين قرأوها بسكون اللام وتخفيفها ، فإنهم تأولوها ، أنهم قالوا : قلوبنا في أكنة وأغطية وغلْف . و " الغلْف " - على قراءة هؤلاء - جمع " أغلف " ، وهو الذي في غلاف وغطاء ، كما يقال للرجل الذي لم يختتن " أغلف " ، والمرأة " غلفاء " . وكما يقال للسيف إذا كان في غلافه : " سيف أغلف " ، وقوس غلفاء " وجمعها " غُلْف " ، وكذلك جمع ما كان من النعوت ذكره على " أفعل " وأنثاه على " فعلاء " ، يجمع على " فُعْل " مضمومة الأول ساكنة الثاني ، مثل : " أحمر وحمر ، وأصفر وصفر " ، فيكون ذلك جماعا للتأنيث والتذكير . ولا يجوز تثقيل عين " فعل " منه ، إلا في ضرورة شعر ، كما قال طرفة بن العبد : ( 1 ) أيها الفتيان في مجلسنا . . . جردوا منها وِرادا وشُقُر
--> ( 1 ) ديوانه ( أشعار الستة الجاهليين ) : 331 ، من قصيدة نفيسة .